ستراتفور: الإمارات تعيد تخطيط سياساتها الخارجية

الكاتب Emirati Affairs 2019-08-17

ستراتفور: الإمارات تعيد تخطيط سياساتها الخارجية

ناقش تقرير لمواقع "ستراتفور" الأمريكي التغيرات في استراتيجية الإمارات وسياساتها الخارجية تجاخ ملفات المنطقة لا سيما لي ظل التطورات في اليمن وليبيا والعلاقات مع إيران، فيما لم تتغير الأهداف ولكن أساليب تحقيقها تغيرت، على الأقل فيما يتعلق بالسياسة الخارجي لدولة الإمارات العربية المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة

وأثارت أبوظبي دهشة المراقبين من خلال إعلانها الانسحاب جزئيا من حرب اليمن وفي الوقت نفسه الانخراط في محادثات بحرية منخفضة المستوى مع طهران بهدف إدارة علاقاتها مع خصمها الإقليمي الكبير.

ومنذ بعض الوقت، تحتل أبوظبي موقع الصدارة في الحملة المناهضة لإيران حيث تضغط من أجل فرض عقوبات أشد ليس فقط لإنهاء احتمالات حصول إيران على قنبلة نووية بشكل نهائي، ولكن أيضا لتحجيم برنامجها المتطور للصواريخ الباليستية وتقليص نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وهو النفوذ الذي تعتبره الإمارات تهديدا مباشرا لها.

وكان هذا الموقف المعادي لإيران هو ما دفع الإمارات للالتحاق مبكرا بالحرب التي شنتها السعودية في اليمن ولكن الضغوط الدولية - خاصة من جانب الكونغرس الأمريكي الذي هدد بتعليق صفقات الأسلحة إلى الرياض وأبوظبي بسبب سلوكهما في الحرب - سلطت الأَضواء على المخاطر المحتملة للمجهود الحربي الإماراتي.

ومع قرار طهران التصدي بنشاط لحملة العقوبات عبر التحرش بالسفن قبالة السواحل الإماراتية، سعت أبوظبي لتعديل سلوكها وتقليل المخاطر التي تواجهها عبر إصلاح العلاقات المتوترة مع الجمهورية الإسلامية. وفي هذا النهج فإن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تتخلى نهائيا عن رغبتها في تقليص حجم إيران أو ردع الحوثيين في اليمن، لكنها تركز على فعل ذلك باستخدام تكتيكات أقل خطورة.

السيطرة على الأضرار

ويعد اللغز الاستراتيجي لدولة الإمارات ثابتا منذ عقود، فهي بلد صغير ومكشوف ومحاصر من قبل قوى إقليمية أكبر بكثير.

ولمواجهة هذه المعضلة، فإن الإمارات اعتمدت غالبا على تلقي الدعم والحماية من قبل قوى أجنبية (بريطانيا حتى عام 1971 وبعدها الولايات المتحدة) للدفاع عن نفسها ضد جيرانها الذين سعوا لاستخدام قوتهم للتأثير على البلاد أو حتى الاستيلاء عليها. ومنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، جاء أكبر تهديد للبلاد من إيران، خاصة مع سيطرة طهران على ثلاث جزر استراتيجية إماراتية منذ عهد الشاه، ونطرا لأن عددًا كبيرًا من الإيرانيين وذووي الأصول الإيرانية يقيمون بالفعل داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وهم يوفرون لطهران فرصة كبيرة لنشر النفوذ في البلاد، ناهيك عن التفوق العسكري الذي يوفره الجيش الإيراني القوي.

وفي حين أن الدعم الأمريكي حمى الإمارات لعقود من الزمن، فإن الدولة الخليجية أدركت أنه يجب عليها أن تثبت قيمتها الاستراتيجية وألا تصبح مجرد عبء على القوى العظمى إذا أرادت الاحتفاظ بدعم واشنطن. ومع ذلك ، على هذه الجبهة، يجب على الدولة أن تسير على خط رفيع، ففي الوقت الذي تسعى فيه أبوظبي جاهدة لتبقى مفيدة للأمريكيين، فإنها لا تستطيع أن تصبح نقطة انطلاق للعمل الإقليمي الأمريكي الذي قد يعرضها للهجوم من قبل خصوم الولايات المتحدة.

 

وكان العامل الأمريكي حاضرا دوما في سياسة الإمارات تجاه اليمن. وحتى مع إعلان أبوظبي انسحابها من البلاد، فإنها أكدت على التزامها بمحاربة تنظيمات القاعدة والدولة الإسلامية من أجل طمأنة واشنطن حول التزامها بدورها في عمليات مكافحة الإرهاب.

بخلاف ذلك، ومن خلال الإعلان عن انسحابها عن خط المواجهة مع الحوثيين، حاولت الإمارات أيضًا نزع فتيل بعض الضغوط السياسية ضدها في واشنطن، بما في ذلك محاولات الكونغرس مؤخراً لمنع مبيعات الأسلحة إلى أبوظبي والرياض.

ويتزايد العداء الأمريكي تجاه العاصمتين الخليجيتين بفعل الآثار الإنسانية المدمرة والعدد الكبير من القتلى المدنيين الذي خلفته الحرب في اليمن، إضافة إلى الغضب من السعودية بسبب مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"؛ واهتمام البعض في الكونغرس بممارسة سلطة أكبر على السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ومن خلال تقليص الإمارات لدورها في اليمن، فإنها تأمل أن ينظر إليها على أنها أقل مسؤولية عن الحرب التي أصبحت لا تحظى بشعبية كبيرة في الكونغرس.

ورغم أن حق النقض، (الفيتو)، الذي استخدمه الرئيس "دونالد ترامب" حمى دولة الإمارات من غضب الكونغرس، تدرك الإمارات أن "ترامب" لن يبقى في السلطة إلى الأبد وحتى إن فاز في الانتخابات الرئاسية المقبلة فإن ولايته سوف تنتهي في عام 2024 ما يعني أن الإمارات بحاجة لتدعيم علاقاتها المتوترة مع السياسيين في واشنطن قبل خروج "ترامب" من المسرح السياسي.

ومع ذلك، من غير المحتمل أن تحقق هذه المناورة نجاحًا كاملاً نظرًا لأن مطالب الكونغرس بإجراء تغيير واسع النطاق في النهج الأمريكي تجاه الرياض وأبوظبي تبدو طويلة الأجل. ولكن من خلال استجابتها لمطالب السياسيين في واشنطن، تأمل الإمارات أن يساعدها ذلك في إعادة تشكيل العلاقة مستقبلا بدلا من الاستمرار في سياسة العناد والمقاومة وإثار المزيد من الغضب داخل الكونغرس، والمخاطر بتقليص تأثيرها على المناقشات السياسية في العاصمة الأمريكية.

إلى جانب الحاجة إلى إعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة، لدى الإمارات العربية المتحدة أيضًا أسباب داخلية ملحة للانسحاب من اليمن. فمن ناحية، يعيد القرار إلى الوطن بعض القوى البشرية والمعدات التي قد تكون مفيدة حال نشوب أي صراع إقليمي خاصة إذا تطورت الأمور ووجدت الإمارات فرص سانحة لاستعادة الجزر التي احتلتها طهران عام 1971، كما أن قرار الانسحاب سوف يقلل من فرص تعرض القوات الإماراتية لمزيد من الخسائر البشرية وبالتالي تجنب الغضب الشعبي الداخلي.

وفي النهاية، إذا اندلع صراع إقليمي واسع فإن الإماراتيين سيحتاجون إلى جيشهم ومواطنيهم للدفاع عن البلاد، وهذا يعني أنهم يجب أن يتخذوا خطوات لضمان أنهم ليسوا مرهقين بالحرب بالفعل.

وفيما يتعلق بالمواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران، تعمل الإمارات على ضبط تصرفاتها من أجل منع اندلاع صراع أوسع، وهو ما يفسر لماذا اختارت أبوظبي عدم إلقاء اللوم على الإيرانيين في هجمات الناقلات قرب سواحل الفجيرة.

 

ولأسباب مماثلة، حافظت أبوظبي أيضا على اتصالات منخفضة المستوى مع طهران، مما يشير إلى عزمها على الحفاظ على تعاون عملي في مسائل مثل حقوق الصيد وعمليات مكافحة القرصنة لمنع المواجهة العرضية بين السفن الإماراتية والإيرانية. ورغم ذلك، ليس هناك ما يضمن أن مثل هذه الإجراءات ستمنع طهران من مضايقة المزيد من السفن في المياه الإماراتية أو التحرش بالناقلات التي ترفع العلم الإماراتي، لكنها تضمن أن سياسات البلاد لن تسهم في إضافة المزيد من الوقود إلى النزاع القائم بالفعل.

تحول السياسات

يعكس هذا التغير في السلوك وجهة النظر المتغيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة حول طبيعة المخاطر التي تواجهها، لكنه لا يعكس تغيرا أساسيا في استراتيجية البلاد. وعلى سبيل المثال، لن تتخلى الإمارات عن جهودها لترسيخ نفوذها في اليمن، ولا يزال وكلاء أبو ظبي مثل قوات الحزام الأمني ​​والمجلس الانتقالي الجنوبي يمتلكون الكثير من النفوذ على الأرض، ورغم أنهم قد يعانون من بعض الانتكاسات بعد الانسحاب الإماراتي إلا أهم سيضمنون الكثير من التأثير الإماراتي في اليمن في المستقبل.

في الوقت نفسه، قد يؤدي الانسحاب الإماراتي إلى إعطاء الوكلاء حرية أكبر لمتابعة أهدافهم المحلية والاستراتيجية - بما في ذلك استقلال جنوب اليمن – دون تبعات على الإمارات، على الرغم من أبو ظبي لا تزال تدعم اسميا دولة يمنية موحدة تحت قيادة "عبد ربه منصور هادي".

بالإضافة إلى ذلك، لم يتخلّ الإماراتيون عن آمالهم في إخراج الحوثيين من السلطة؛ وبدلاً من ذلك، فإنهم يحولون استراتيجيتهم بعيدا عن المواجهة العسكرية إلى الرهان على المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة في السويد. ويعد المسار الدبلوماسي أقل خطورة، وإذا ثبت نجاحه في نهاية المطاف، فإنه سينهي التهديد الذي يشكله المتمردون على الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

وحتى إذا انهار المسار الدبلوماسي، فمن غير المرجح أن تجذب الإمارات ساعتها غضب المجتمع الدولي بالنظر إلى أن افتقارها إلى القوات العسكرية على الأرض سيعزلها عن الاتهامات بتخريب المحادثات. وفي كلتا الحالتين، يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة مواصلة رعاية مصالحها الاستراتيجية، وفي الوقت تقليل مخاطر التدخل العسكري سواء على علاقاتها الخارجية أو على سياساتها المحلية.

ولم تغير الإمارات أيضا نظرتها إلى التحدي الإيراني، وبدلاً من ذلك، تبرز الدولة معارضتها للحل العسكري للأزمة. ويعد الضغط على إيران إلى الحد الذي لا ينتج صراعا عسكريا أمرا مرغوبا بالنسبة للإمارات، لكن الضغط المبالغ فيه يعد مضرا خاصة أن التوترات الإقليمية تزيد من المشكلات التي يواجهها اقتصاد دبي. وبينما يمكن للإمارات تجنب اتخاذ موقف علني قوي ضد العمل العسكري في المراحل السابقة من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، تجد أبوظبي أنه يجب عليها توصيل هذا التفضيل قبل أن تصبح المواجهة والانحياز خيارا حتميا.

 

ومع ذلك، فإن الإمارات ليس لاعبًا كبيرًا بما يكفي لمنع أي صراع إقليمي من جذبها إليه. ويمكن أن تؤدي الضربة الأمريكية أو الإسرائيلية أو المزيد من المضايقات والاستفزازات الإيرانية أو مواصلة تطوير البرنامج النووي الإيراني إلى تداعيات تتجاوز حدود قدرة الإمارات على التعامل معها. وفي مثل هذه الحالة، سوف تتخذ الإمارات خطوة للوراء وتسعى لفعل مل في وسعها من خلال الأدوات التي تمتلكها على أن تؤجل حسمها موقفها النهائي لحين اتخاذ القوى الكبرى في المنطقة خياراتها الخاصة.

الكاتب Emirati Affairs 2019-08-17