في الإمارات .. كل شخص مدان بجريمة إلكترونية حتى تثبت براءته !

في الإمارات .. كل شخص مدان بجريمة إلكترونية حتى تثبت براءته !

يستمر جهاز أمن الدولة في عسكرة الحياة الالكترونية في البلاد، فمن ملاحقة دوريات الجهاز للناشطين في إمارات الدولة، واعتقالهم وتعذيبهم، إلى أن تحولت الفوبيا من النشاط على شبكات التواصل الاجتماعي إلى إجراءات غرابية سحيقة.

حيث أعلن عن "تسيير دوريات للشرطة لمراقبة مستخدمي الشبكة" في إجراء غير مسبوق على مستوى العالم في العلنية، فخلال السنوات الماضية استمر جهاز أمن الدولة في الدفع باتجاه مراقبة الانترنت بشكل يفوق ما يتوقع.

ويعد هذه الدوريات هي جزء من تلك الحملات التي تضاف إلى "التجسس" و "المراقبة المستمرة على المدونين وعائلاتهم" بالإضافة إلى كون ذلك، جزء من حملة واسعة على "حرية التعبير"، ضمن قانون "جرائم تقنية المعلومات"، سيء السمعة والذي جرى تعديله مؤخراً بالرغم من كونه يهدم كل الآمال المعلقة بشأن "السعادة" التي تريد الحكومة إيصالها لسكان الدولة، وتجعل كل مواطن و وافد إلى الإمارات محل "شكّ" بارتكاب "جريمة الكترونية" وتحت هدد قائم بالاعتقال والتعذيب والمحاكمة السياسية.

 وكشفت شرطة دبي النقاب عن تشكيلها "دوريات إلكترونية" سيكون عملها مكرسا لرصد ما وصفته بـ "التجاوزات على شبكة الإنترنت"، والذي يشمل النقل عن جهات إعلامية ليست مرخصة في الدولة، وتشويه السمعة، والسب، ..إلخ.

وأكد مدير إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية، المقدم سعيد الهاجري، "بأن أشخاصاً يقعون تحت طائلة القانون، نتيجة نشر أخبار غير صحيحة، نقلاً عن جهات غير مرخصة، عن جهل بعواقب هذا التصرف، لافتاً إلى أن بعضهم يفعل ذلك على سبيل المزاح، ويفاجأ بخضوعه للمساءلة القانونية".

 وأضاف الهاجري خلال المؤتمر الصحفي، (الثلاثاء 25/2) الذي عقد للإعلان عن حملة "فكر وتواصل" للحد من التأثيرات السلبية لشبكات التواصل، أن الحملة ستركز على توعية أفراد المجتمع بالضوابط القانونية لاستخدام وسائل التواصل، لافتاً إلى أن البعض لا يعلم بأن تصوير شخص أو حفظ صورته على الأجهزة الإلكترونية دون إذنه يمثل جريمة، يعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، ودفع غرامة مالية تراوح بين 150 ألفاً و500 ألف درهم.

وقال الهاجري إنهم خصصوا 42 وسيلة تواصل مختلفة، فضلاً عن نشر دوريات إلكترونية لرصد التجاوزات، والتي من بينها النقل عن مصادر إعلامية غير مرخصة في الدولة، والسب، والقذف، وتشويه السمعة، وبعضها يستهدف الأطفال الذين لا يتمتعون بالوعي الكافي، للتعامل مع هذه الوسائل.

ليست المرة الأولى التي يبتكر جهاز أمن الدولة هذا الجنون الجامح لمراقبة شبكة الانترنت، وهو ما يعيد للأذهان تلك الحملة التي بدأت مع بداية الحديث عن حرية التعبير عام 2008م، في المنتديات على الانترنت.

ففي 30 أكتوبر 2008، أعلنت شرطة دبي عن إطلاقها دوريات إلكترونية على شبكة الإنترنت لمراقبة المواقع والدخول على غرف الدردشة والمنتديات وغيرها في الإمارات، معللة ذلك برصد أي تجاوزات أو جرائم تحدث على شبكة المعلومات العالمية، وخلال ذلك العام قالت الشرطة أنها نظرت "222 قضية".

 

التجسس

لا يقتصر الأمر على الحديث عن "دوريات الشرطة"، فما يزال جهاز أمن الدولة يقوم بعملية "تجسس" واسعة النطاق على سكان الإمارات، ومركزة جلّ وقتها باتجاه مراقبة المدونين الالكترونيين والناشطين الحقوقيين ففي يوليو 2012م جلس أحمد منصور في مكتبه في دبي وأخطأ في النقر على مرفق مايكروسوفت وورد الذي وصله في رسالة بريد إلكتروني، وكان تحت اسم "مهم جدا" باللغة العربية، من مرسل اعتقد أنه يعرفه.

وبتلك الضغطة قام الناشط المؤيد للديمقراطية عن غير قصد بتحميل برنامج تجسس يسيطر على خلل موجود في برنامج شركة مايكروسوفت ليستولي على جهاز الكمبيوتر الخاص به وتسجيل كل ضغطة زر. اخترق القراصنة حياته الرقمية بعمق حيث إنهم يتمكنون من الوصول إلى بريده الإلكتروني حتى وإن غيّر كلمة المرور الخاصة به. وعلى أثر ذلك تعرض "منصور" للضرب المبرح عبر عصابة أمنية.

وتواصلت منظمات حقوقية دولية مع شركة “هاكينج تيم” hackingteam التي تبيع معلوماتها فقط للحكومات، للاستفسار إن كانت شاركت في اختراق جهاز "منصور" لكن هذه الشركة التي تتعامل مع الإمارات نفت ذلك بشدة وقالت إنها تبيع البرامج فقط.

وفي يوليو 2015م اخترق قراصنة هذه الشركة ونشروا آلاف الوثائق التي تقدر حجمها ب400 جيجا بايت، من ضمنها مراسلات مع الداخلية الإماراتية، حول التجسس على ناشطين حقوقيين، ومدونيين الكترونيين ومسؤولين.

وتستخدم هذه الشركة برامج تجسس مثل: RCS، ودافينشي Davinci الذي يمكنه الدخول إلى الرسائل النصية القصيرة ورسائل البريد الإلكتروني لأي مستخدم تريد الحكومات التجسس عليه.

بحسب ما نشر من وثائق، يظهر أن هناك تعاملات من قبل وزارة الداخلية الإماراتية مع شركة فريق القراصنة (هاكينج تيم)، وتعامل آخر للقوات الجوية الإماراتية، ولكن لم تنشر وثائق أو تفاصيل أو أرقامًا لهذه التعاملات.

ولم يقتصر دور هذا الجهاز فقط على الإمارات بل كشفت الوثائق استعانة السعودية والبحرين وعمان بشركة إماراتية كوسيط لهم لشراء نظام للمراقبة وهي الشركة التي قدمت نفس العرض للأردن دون كشف عن صاحب الشركة الإماراتية.

للمزيد حول هذه الوثائق من موقع csoonline  

 

استهداف ممنهج

تتزامن هذه "الدوريات"، غير المحددة بمدة، ولا بتفاصيل أخرى، مع تعديلات على رقم 5 لسنة 2012 في شأن جرائم تقنية المعلومات، سيء السمعة والذي اتجهت فيه التعديلات نحو المزيد من العبارات الفضفاضة والتهديد والوعيد للمعارضين والمنتقدين داخل الدولة، من بينها إن "استخدام عنوان بروتوكولي وهمي على شبكة الإنترنت، يشمل إطلاق شخص على ذاته اسما لا يعود له، وليس بالضرورة أن يعود إلى شخص أخر، ويستخدم هذا الاسم لأجل تنفيذ جريمة ما، قد تكون ذما أو قدحا أو تشهيرا أو أية جريمة أخرى يرتكبها ويعاقب عليها القانون".

 واعتبر الشيخ محمد بن عبد الله النعيمي، رئيس اللجنة التشريعية والقانونية، في المجلس الوطني "البرلمان" أن "بث معلومات وبيانات عبر هذا الإسم الوهمي على شبكة الإنترنت، بقصد ارتكاب جريمة، يعاقب عليه قانوناً بحكم أن مستخدم الإسم أو العنوان البرتوكولي الوهمي تعمد تضليل العدالة والحيلولة دون اكتشاف جريمته، وهو ما يفسر قضائياً على أنه قصد جنائي".

 ووافق أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، على تغليظ عقوبة جرائم الإنترنت، ضمن تعديل تشريعي أجري على المادة "9" من القانون رقم 5 لسنة 2012 في شأن جرائم تقنية المعلومات، لتراوح ما بين 500 ألف ومليوني درهم غرامة مالية، عوضاً على ما كانت عليه سابقا "150 – 500 ألف درهم". 

المزيد.. 2015 عام أسود للقضاء الإماراتي: (19) قضية أمن دولة بينها (14) قضية حرية رأي وتعبير

 

 وليس هذا وحسب فقد استمر مقرر اللجنة ذاتها، المستشار القانوني جاسم عبدالله النقبي، في شرح معنى ذلك بالقول "أي استخدام لجهاز متصل بالإنترنت ويحتاج إلى اسم مستخدم وكلمة مرور، أو يحتاج في سبيل الدخول إليه التسجيل بريدا إلكترونيا أو ما شابه ذلك، يعرض صاحبه -إذ ما ارتكب جريمة إلكترونية بواسطته- إلى عقوبة مشددة بموجب القانون، تتراوح بين السجن والغرامة المالية التي تصل إلى مليوني درهم، وينسحب ذلك على الأجهزة التي ترتكب الجريمة باستخدام عنوان بروتوكولي وهمي".

 

الاكتشاف صدفة بتغيير (IP) (تعتبر جريمة)

حتى أن استخدام (آي بي أدريس) من أجل تصفح المواقع الالكترونية السياسية أو الثقافية أو الإخبارية داخل الدولة سيعرض مستخدمها ولو "مصادفة"، وقام المستخدم بتغيير "آي بي درس" بالصدفة، ولو لم يرتكب جريمة أوضح النقبي أن ذلك يعد استخدام أسم وهمي وسيتم اعتبارها جريمة الكترونية.

العجيب في الأمر أن  القانون يجرم حتى تغيير الصور الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي بصور تضامنية أو حملات حقوقية، لا تروق لجهاز أمن الدولة  واستشهد هذا المستشار القانوني ومقرر لجنة الشؤون القانونية في المجلس الوطني بمثال، تمت فيه معاقبة أحد الأشخاص بالحبس ثلاثة أعوام وغرامة مليون درهم، "كونه استخدام شعارا لصفحته على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، يحمل اللون الأصفر وكف اليد، روجته جماعة الإخوان المسلمين في وقت سابق، وكان حينها يروج لأفكار سلبية ضد المجتمع". يقصد "شعار رابعة العدوية" تلك الحملة التي أعقبت مجزرة قام بها النظام المصري ضد المعتصمين في أغسطس 2014م.

المزيد.. التقرير السنوي: (4426) انتهاك لحقوق الإنسان خلال عام 2015 في الإمارات

 

أحكام سابقة

 وجرى الحكم على عدد من الناشطين الإماراتيين بموجب القانون سيء السمعة بحق 12 مواطن إماراتي منذ صدوره في قضايا منفصله، بالإضافة إلى خمسة قطريين آخرين، فيما يبقى مصير المدون الأكاديمي ناصر بن غيث مجهولاً منذ 19 أغسطس 2015م، بعد تغريدات على حسابه في "تويتر" تطالب بالتحقيق في جريمة قتل متظاهرين في مصر. وتجرى محاكمة مدون العُماني بذات التُهم. فيما يبقى مصير أربعة أشقاء بينهم فتاتين من عائلة "العبدولي" مجهولاً منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2015م، ويقول مقربون منهم أن السبب هو تغريدات على "تويتر".

 المزيد.. أبرز الذين جرى محاكمتهم في قانون "جرائم تقنية المعلومات" سيء السمعة في الإمارات

 وفي فبراير/ شباط 2015م اختطف جهاز أمن الدولة ثلاث شقيقات للمعتقل السياسي الدكتور خليفة السويدي بعد أن تم استدعائهن للتحقيق في إحدى أقسام الشرطة وهن "أسماء واليازية، ومريم". ولم يفرج عنهن إلا بعد ثلاثة أشهر دون معرفة مكان الاختطاف أو سببه، ولم يعرضن على المحكمة أو النيابة. وكان السبب وراء ذلك تغريدات تتضامن مع شقيقهن المعتقل في "سجن الرزين" سيء الصيت. 

وأصدر المرسوم قانون اتحادي رقم 5 لعام 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2012. مواد المرسوم فضفاضة ومبهمة الصياغة توفر السند القانوني لملاحقة من يستخدمون تقنية المعلومات أمام القضاء وسجنهم، وذلك من بين أمور أخرى، على خلفية الدعوة للإصلاح السياسي، أو التضامن مع المعتقلين ونقل أخبار الاعتقالات والانتهاكات التي تقوم بها السلطات بحق المواطنين الإماراتيين.

 وأدانت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية البارزة القانون "السيء" واتهمت أبوظبي باستهداف وخنق حرية التعبير في البلاد، المنعدمة أصلاً.

 واستمر تردي الإمارات في مجال حرية الرأي والتعبير على الانترنت فبحسب تقرير منظمة فريدم هاوس حلّت الإمارات في المرتبة 68 عالمياً، ضمن 19 دولة "غير حرة" في العالم، في التقرير الذي يحوي 86 دولة في العالم.

 

(إيماسك)

الكاتب