تحرك إماراتي فرنسي مصري لبسط نفوذ الموالين لحفتر بالجنوب الليبي في مواجهة تركيا

تحرك إماراتي فرنسي مصري لبسط نفوذ الموالين لحفتر بالجنوب الليبي في مواجهة تركيا

كشفت مصادر دبلوماسية مصرية، عن مشاركة الإمارات وفرنسا، في التحضير للاجتماعات التي أجراها في القاهرة على مدار الأيام الأربعة الماضية، وفد من شيوخ قبائل وعشائر مناطق الجنوب الليبي، تمهيداً لاتخاذ خطوات فعّالة على الأرض، تمكن سلطة مليشيات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، من الانتشار بشكل أكبر في تلك المناطق.

 

وتهدف الخطوات التي تمّ بحثها، إلى تقويض التواجد التركي والقوى الموالية لأنقرة في الجنوب الليبي، فضلاً عن اتخاذ إجراءات اجتماعية واقتصادية على الأرض، تمولها الإمارات وتنفذها مصر وتشارك فرنسا في دعمها وحمايتها، كرد متأخر على خطوات مشابهة اتخذتها تركيا في المناطق ذاتها.

 

وقالت المصادر  إن التنسيق في هذا الملف بدأ في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعد زيارة أجراها عددٌ من زعماء قبائل إقليم فزّان (أحد أقاليم ليبيا الثلاث) إلى أنقرة، منهم رئيس المجلس الأعلى لطوارق ليبيا، مولاي قديدي، ورئيس المجلس الموحد لقبائل التبو، محمد وردوغو، ووكيل وزارة أسر الشهداء والمفقودين السابق، محمد سيدي إبراهيم، وهو وكيل مجلس قبائل التبو، بحسب ما أوردته صحيفة "العربي الجديد" اللندنية.

 

وأجريت هذه الزيارة بدعوى بحث هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات التركية، سبل مساعدة أبناء الجنوب الليبي في مجالات إنسانية مختلفة، ما أثار قلق أطراف التنسيق الثلاثي الداعم لحفتر. وتمّ طرح هذه القضية خلال المباحثات التي أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل نحو أسبوعين في باريس، كما تواصلت الاستخبارات المصرية في الشأن نفسه مع حفتر والقيادات الإماراتية، للوقوف على كيفية الرد على هذا التقدم التركي.

 

وبحسب المصادر، فإن الإمارات طلبت من مصر تولي الشقّ السياسي والاجتماعي من القضية، نظراً لسابقة تعثرها في التعامل مع قيادات الجنوب الغربي الليبي خلال لقاءات نظمّتها لبسط نفوذها عليهم واستمالتهم بمساعدة حفتر ونجله صدّام. وجعل ذلك أبوظبي تفكر بأن المقاربة المصرية للملف قد تكون مختلفة وأكثر إثماراً، لا سيما أن الاستخبارات المصرية تملك بالفعل خطوط اتصال مع بعض المجالس القبلية الجنوبية، في فزّان غرباً والكفرة شرقاً.

 

وكانت هذه الخطوط قد فتحت منذ محاولات السيسي الفاشلة لتوحيد المليشيات العسكرية المتصارعة في ليبيا، قبل تشكيل حكومة الوفاق، ووصول قوات حفتر لصيغتها الحالية بدعم من القاهرة وأبوظبي وموسكو وباريس والرياض.

 


وأوضحت المصادر أن المشكلة الأولى والأكثر إلحاحاً حالياً في الجنوب الغربي الليبي، هي إعادة تمثيل قبائل التبو والطوارق في المشهد السياسي المحلي، بعدما استُبعد المكونان الرئيسيان للمنطقة من منتدى الحوار السياسي الليبي، الذي عقد في تونس من 9 إلى 15 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وانتهى بالإعلان عن تنظيم انتخابات في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021.   

 


وكشفت المصادر أن مدير الاستخبارات المصرية، اللواء عباس كامل، تناول هذا الملف خلال لقائه السبت الماضي بحفتر، حيث تمّ الاتفاق على أمور عدة، تتعلق بتمثيل فزّان في اللجان العسكرية والأمنية المشتركة مع حفتر، والقفز على الخلافات العميقة السابقة بين الطرفين.

 

في المقابل، يشمل الاتفاق مساعدة شيوخ القبائل الموالين لمصر والإمارات لحفتر، في المناوشات العسكرية المستمرة بالمنطقة حتى الآن، والتي حصل آخرها أول من أمس الأربعاء، في معسكر المغاوير في أوباري، بعد أسابيع من المناوشات مع قوات موالية لحكومة الوفاق وتركيا، حسمت بدعم إماراتي وفرنسي بالتزامن مع تواجد الوفد القبائلي بالقاهرة.

 

وأعلنت شعبة الإعلام الحربي التابعة لحفتر، عن طرد قائد مليشيات المنطقة الجنوبية التابعة لحكومة الوفاق، علي كنّه، من معسكر أوباري، والقبض على ثلاثة أشخاص وصفوا بأنهم "إرهابيون متورطون في جرائم خطف وابتزاز بحق الليبيين في الجنوب". 

 

وفي إطار السعي لإعادة تموضع القوى الداعمة لحفتر في المنطقة، أكدت الاستخبارات المصرية للوفد خلال الاجتماعات، أن الطوارق والتبو سيمثلون بشكل لائق في جميع اللجان العسكرية والأمنية، وسيتم التعامل بشكل عاجل مع مشكلة أخرى تؤرقهم، وهي إخراج المرتزقة من المنطقة.

 

وكانت هذه النقطة الأخيرة تحديداً تُطرح دائماً، وهي متعلقة بمليشيات حفتر وعناصر المرتزقة الروس، والذين كانوا قد توغلوا في المنطقة على مدار العامين الأخيرين.

 


وأوضح المسؤولون المصريون للوفد أيضاً أنه سيتم الاعتماد على أبناء فزّان في مواجهة المشكلات الأمنية من ضبط الحدود ومكافحة عمليات التهريب عبرها، بما في ذلك الهجرة غير الشرعية، وذلك بدعم مصري وفرنسي، تمهيداً لبناء أجهزة وطنية تعتمد على الطوارق والتبو لتحقيق تلك الأهداف الاستراتيجية والمهمة للأوروبيين وللنظام المصري على حدّ سواء.

 


وفي إطار الدعم الإنساني والاجتماعي المواجه للوعود التركية، تعهدت مصر بتخصيص مساعدات، ستمول بحسب المصادر من الإمارات بشكل أساسي، في قطاعات التعليم والأمن والصحة والمرافق والبنية التحية والخدمات والإعلام، وإرسال عدد من العمالة المصرية المؤهلة في تلك التخصصات.

 

وسيجري ذلك، بحسب المصادر، بواسطة الاستخبارات المصرية مباشرة، لا عبر وزارة الخارجية، لضمان سرعة التنفيذ، إلى جانب فتح قنصلية مصرية في الجنوب الليبي، وبحث إمكانية تسيير رحلات جوية بين مطار سبها الدولي، في عاصمة فزّان، والمطارات المصرية، أسوة بباقي مطارات ليبيا.

 


وتعتبر المحاولات المصرية الإماراتية الفرنسية المشتركة لتحسين الأوضاع في الجنوب الليبي، واستغلالها لصالح التحالف الداعم لحفتر في الصراع الدائر في هذا البلد، جولة جديدة في معركة طويلة بين القوى المؤثرة على المشهد الليبي، للتعامل بشكل خاص مع الجنوب، وبصفة خاصة منطقة فزّان لتأمينها واستغلالها. وكانت المحاولات قد بدأت في العام 2016، عندما رعت إيطاليا اتفاقاً "إنسانياً" بين المكونات السياسية والقبلية في المنطقة، لكنه لم ينجح في إنهاء الاشتباكات بين المليشيات الداخلية، ولا في استمالة الطوارق والتبو إلى حكومة الوفاق.
واتهم الإعلام الإماراتي، وكذلك التابع لحفتر، تركيا أخيراً بـ"محاولة شقّ الصف القبلي والنسيج الاجتماعي في الجنوب الغربي، من خلال استضافتها لعدد من وجهاء القبائل العرب والتبو والطوارق في مسعى لشراء ذممهم".

 

وادعت وسائل الإعلام تلك، رفض السكان المحليين لذلك، وأن النظام التركي دفع "بأعداد من المرتزقة والإرهابيين" من دول الصحراء الكبرى، وخصوصاً من المعارضة التشادية المسلحة، ومن الجماعات الإرهابية في النيجر ومالي، للتمركز في بعض مناطق إقليم فزّان، بهدف الاستعداد لبث الفوضى.

 


وفي البيان الختامي لزيارة الوفد للقاهرة، قال المجتمعون برعاية الاستخبارات المصرية، إنهم يقدرون "حرص الرئيس المصري عبد الفتاح السیسی وجهوده الدؤوبة لتحقيق وحدة ليبيا واستعادتها لسيادتها وأمنها واستقرارها"، مشيدين بـ"الجهود المصرية المتواصلة لتجميع الأطراف الليبية على أراضيها، وخصوصاً في ظلّ الظروف الصعبة التي تمر بها ليبيا".

 

وأكد المجتمعون على ترحيبهم "بما لمسوه من دور مصري محمود، لتقريب وجهات النظر وإحداث تقارب بين مختلف مكونات الدولة الليبية، وانفتاح مصر على كافة الأطراف الساعية لحلّ الأزمة، دون الانحياز لأي طرف على حساب الأطراف الأخرى".

 

وأكد أعضاء الوفد تمسكهم بـ"وحدة وسلامة الأرض الليبية، وعلى الملكية الليبية للحل السياسي الشامل من خلال حوار شامل (ليبي - ليبي) دون تدخل من أي أطراف خارجية". كما رفض بيانهم "رفضاً قاطعاً أي ترتيبات دولية تختص بالشأن الليبي، ما لم تكن نابعة من إرادة ليبية خالصة"، داعين "إلى الإسراع بتحقيق التسوية السياسية الشاملة في إطار التوافق والحوار دون إقصاء".

 


كما أشار المجتمعون إلى "رفضهم التام لجميع التدخلات الخارجية الهادفة لتقويض التطورات الإيجابية والإضرار بأمن الوطن والمواطن والعبث بمقدرات الليبيين، والتزامهم بالمسار السياسي وتأكيدهم على أهمية الحوار وتغليب المصلحة العليا للشعب الليبي، وتطلعهم لرأب الصدع وجاهزيتهم لتقديم الحلول والخطط اللازمة للحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها".

الكاتب