تركيا والإمارات.. طريق المصالحة شاق رغم المصالح المتبادلة

تركيا والإمارات.. طريق المصالحة شاق رغم المصالح المتبادلة

في حين أن اجتماع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" مع مسؤول إماراتي رفيع قبل أسبوع كان خطوة مهمة نحو إذابة الخلاف التركي الإماراتي، وفي حين أن عددا من المصالح المشتركة تدفع الطرفين إلى التقارب، فإن الطريق إلى المصالحة ما يزال وعرا ومليئا بعدم اليقين.

وفي تحول صارخ في العلاقات الثنائية، استقبل "أردوغان" شخصيا مستشار الأمن القومي الإماراتي، الشيخ "طحنون بن زايد آل نهيان"، في 18 أغسطس/آب، بالرغم أن البروتوكول كان يتطلب أن يكون اللقاء مع رئيس المخابرات التركية "هاكان فيدان" أو مستشار الرئيس التركي "إبراهيم كالين".

وفي إطار الجهود المبذولة لإصلاح العلاقات مع مصر وحلفائها الخليجيين، بدأت تركيا بالفعل اتصالات مبدئية على مستوى استخباراتي مع الإمارات.

ومع ذلك، جاءت زيارة "طحنون بن زايد" مفاجأة حيث بدا أن أجندة المحادثات تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات الثنائية على نطاق واسع، بما في ذلك التعاون الاقتصادي.

وفي حديثه في برنامج تلفزيوني بعد الاجتماع، أكد "أردوغان" على آفاق الاستثمارات الإماراتية "الجادة" في تركيا.

وقال "أردوغان" إن المناقشات تضمنت خارطة طريق بشأن الاستثمارات وأن نائب رئيس صندوق الثروة السيادي التركي ورئيس مكتب الاستثمار الرئاسي شاركا في المحادثات.

وقال: "أعتقد أن الإمارات ستبدأ استثمارات جادة في بلادنا قريبا جدا"، مضيفا أنه قد يلتقي قريبا مع ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات.

ويعود التقدم السريع في الحوار إلى تداخل الأولويات في ظل الظروف المتغيرة في المنطقة.

وحتى وقت قريب، كان المسؤولون ووسائل الإعلام الأتراك يصورون الإمارات على أنها قوة "شيطانية" تواجه تركيا في مناطق مختلفة، من سوريا وليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى السودان والصومال والبحر الأحمر.

واستهدفت الكثير من الانتقادات اللاذعة ولي عهد أبوظبي، الذي تم اتهامه بدعم حركة "جولن"، التي تلقي أنقرة باللوم عليها في محاولة الانقلاب عام 2016، ودعم الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" بعد الإطاحة بـ"الإخوان المسلمين"، وشن حرب بالوكالة ضد تركيا في ليبيا عبر قوات "خليفة حفتر"، وتحريض ولي العهد السعودي ضد تركيا.

ووصفت وسائل الإعلام القريبة من الحكومة "محمد بن زايد" بـ "أمير الظلام"، وقالت إنه استخدم السياسي الفلسطيني المنفي "محمد دحلان" لدفع مخططاته ضد تركيا.

وكان العامل الرئيسي الذي دفع تركيا والإمارات إلى الخلاف هو صعود جماعة "الإخوان المسلمين" بعد الربيع العربي.

وتبنت الإمارات سياسة متشددة ضد الجماعة، التي دعمها "أردوغان" في مصر وأماكن أخرى.

وأدى إنشاء تركيا لقاعدة عسكرية في قطر إلى مزيد من العداء من قبل الإمارات والسعودية اللتان قادتا حصارا إقليميا على قطر عام 2017.

وتصاعدت التوترات الثنائية في وقت لاحق من ذلك العام بعد أن أعاد وزير الخارجية الإماراتي تغريد منشور قال فيه إن "فخر الدين باشا"، الحاكم العثماني للمدينة المنورة في أعوام احتضار الإمبراطورية، سرق أموالا ومخطوطات من المدينة المقدسة.

وجاء في التغريدة: "هؤلاء أجداد أردوغان وتاريخهم مع العرب المسلمين".

ورد "أردوغان" بالمثل، وتمت إعادة تسمية الشارع الذي تقع فيه السفارة الإماراتية على اسم الضابط العثماني الذي يحترمه الأتراك لدفاعه عن المدينة المنورة ضد القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى.

وأدى الصراع في ليبيا إلى زيادة التوترات. وبحسب أنقرة، فإن طائرات حربية إماراتية كانت وراء غارة مميتة على قاعدة "الوطية" الجوية في يوليو/تموز 2020.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، كان "أردوغان" غاضبا جدا من قيام الإمارات بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لدرجة أنه هدد بقطع العلاقات مع الإمارات، بالرغم أن تركيا تقيم علاقات مع إسرائيل منذ عام 1949، وكانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تقوم بذلك.

والآن، تغير الإمارات نهجها تجاه تركيا أيضا.

وأشاد "أنور قرقاش" بالاجتماع في أنقرة ووصفه بأنه "لقاء تاريخي وإيجابي" ركز على التعاون والشراكة الاقتصادية.

وفي عام 2017، حذر "قرقاش"، الذي كان وزير الدولة للشؤون الخارجية في ذلك الوقت، من تنامي النفوذ التركي والإيراني، قائلا: "لن تقود طهران أو أنقرة العالم العربي.

وتدعو المنافسة الجيوستراتيجية التي تشهدها المنطقة إلى تعزيز الوحدة العربية".

وبالنسبة لأنقرة، كانت الإمارات حتى الآن الحلقة الأكثر صعوبة في سلسلة الخطوات الدبلوماسية للتطبيع مع المحور المصري السعودي الإماراتي.

وكانت أنقرة تأمل أن يساعدها حلفاؤها القطريون في تمهيد الطريق للتقارب مع الرياض وأبوظبي بعد مصالحة الدوحة مع جيرانها.

وأصبح إصلاح العلاقات ضرورة ملحة في وقت سابق من هذا العام بعد أن لجأ رجل العصابات التركي "سيدات بيكر" إلى دبي وبدأ في نشر مقاطع فيديو واسعة الانتشار تتضمن مزاعم خطيرة بالفساد في صفوف الحكومة التركية.

وجاءت النتيجة الملموسة الأولى للاتصالات الاستخباراتية التركية الإماراتية في 13 يونيو/حزيران عندما احتجزت السلطات الإماراتية "بيكر" لمدة 10 ساعات وطلبت منه التوقف عن نشر مقاطع الفيديو، وفقا لرواية خاصة.

وتعد حاجة تركيا الماسة إلى جذب الأموال الأجنبية للتخفيف من أزمة العملة الصعبة لديها أيضا محركا وراء التغيير الجذري في موقفها تجاه الخليج.

وأصبحت المشكلة ملحة للغاية لدرجة أن "أردوغان" اضطر إلى حث رئيس الوزراء الليبي المؤقت على سداد 3.8 مليار دولار من الديون للمقاولين الأتراك في أغسطس/آب.

ومع ذلك، فإن اللين الإماراتي المفاجئ دون انتظار نتيجة محاولة التطبيع بين القاهرة وأنقرة يشير إلى احتياج الإمارات للمصالحة، وهو ما يملي توازنا تجاريا وأمنيا بين البلدين.

ويمكن تلخيص العوامل الرئيسية التي دفعت الجانبين للتقارب على النحو التالي:

بالرغم أن الإمارات فشلت في تحقيق أهدافها في ليبيا، إلا أن حلفاءها الليبيين تمكنوا من منع تركيا من السيطرة وحدها على الصراع.

وبالنسبة لكلا البلدين، فإن الحاجة إلى ضمان مصالح كل منهما تقتضي التعاون.

وكانت نفس الحاجة دافعا أساسيا لذوبان الجليد بين القاهرة وأنقرة.

وكانت الإمارات تأمل في التأثير على تركيا لإحياء العلاقات مع دمشق، وكان هذا أيضا طموح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين".

من جانبها، شعرت أنقرة بالقلق من دعم الإمارات للأكراد السوريين.

ومن وجهة نظر تركيا، يمكن للتعاون مع الإمارات أن يثبط المشاركة الإماراتية في المشكلة الكردية ويساعد أنقرة في ممارسة بعض التأثير على دمشق.

كما أن الوضع في أفغانستان يغير التوازن في المنطقة هو الآخر.

وبينما ينتقل قادة "طالبان" في الدوحة إلى مقر السلطة في كابل، فر الرئيس الأفغاني "أشرف غني" إلى دبي. بعبارة أخرى، برزت قطر منتصرة والإمارات كلاعب مهزوم في أفغانستان.

وربما تأمل الإمارات في التعويض عن ذلك عن طريق تحسين العلاقات مع تركيا، على افتراض أن تركيا ستلعب دورا مؤثرا في أفغانستان التي تسيطر عليها "طالبان".

وأدى احتمال تطبيع أنقرة مع القاهرة والرياض إلى دفع الإمارات إلى أن تحذو حذوهما.

وتبرز بوادر الاحتكاك بين الإمارات والسعودية منذ انهيار تحالفهما العسكري في اليمن كمحرك إضافي يشجع الإمارات على البحث عن شركاء بديلين.

ويؤجج انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان الشكوك حول بقاء واشنطن كقوة مهيمنة في المنطقة، بما في ذلك منطقة الخليج.

لذلك، من المنطقي أن تبني أبوظبي جسورا مع القوى الإقليمية الرئيسية مثل تركيا.

ودفعت زيارات أنقرة الأخيرة لرئيس الإدارة المؤقتة في السودان ورئيس وزراء إثيوبيا (اللذين حظيا بالدعم الإماراتي) الإمارات إلى مراجعة سياساتها الطموحة في حوض البحر الأحمر.

أما بالنسبة للحوافز الاقتصادية، فإن قطاع الموانئ البحرية يوفر إمكانية للتعاون حيث كان الجانبان متحمسين للغاية في هذا المجال في الأعوام الأخيرة.

لكن فيما يتعلق بقضية الاستثمارات، لا يزال يتعين على المسؤولين تبادل المعلومات التفصيلية.

ببساطة، تحتاج تركيا إلى النقد والاستثمار، وهو ما يمكن للإمارات تقديمه.

وسيعتمد تقدم الحوار على مدى قرب الجانبين من حل مشاكلهما الرئيسية.

وتتوقع تركيا من الإمارات منع أعضاء "منظمة فتح الله جولن الإرهابية" من استخدام المطارات الإماراتية واعتقال وتسليم المطلوبين وإنهاء تورطها في الملف الكردي والتوقف عن الاصطفاف مع اليونان والقبارصة اليونانيين في شرق البحر المتوسط.

وبحسب ما ورد، تتوقع أنقرة أيضا أن يتم إسكات أو تسليم "بيكر"، الذي استمر في التغريد بالرغم من توقفه عن نشر مقاطع الفيديو.

وتعد أولوية الإمارات هي إفشال مشروع "الإخوان المسلمين" في المنطقة.

وتتوقع أبوظبي من أنقرة قطع دعمها للحركة وتسليم المطلوبين من الإخوان الذين لجأوا إلى تركيا والتخلي عما تعتبره سياساتها التدخلية والتوسعية في المنطقة.

وإذا ساعدت الاستثمارات الإماراتية في التخفيف من مشاكل "أردوغان" الاقتصادية، فقد تجد أنقرة نفسها تحت ضغط متزايد لتغيير سياساتها الإقليمية.

ومع ذلك، فإن إيجاد طريق وسط لن يكون سهلا على البلدين.

الكاتب